إلى متى سأعاني؟
رسالة شاركت بها السّنة الفارطة في مسابقة محليّة للغة العربيّة
أيّها الانسان…
أكتب إليك اليوم, أنا المحيط, لأضع بين يديك رسالتي التي تحمل ما أثقل كاهلي من حزن ورجاء…
أنا المحيط… كنت يوما موطنا للحياة وقلب الأرض النّابض بها. مرآة للصفاء ورمزا للنقاء, ملاذا لجميع الكائنات الحية وراويا لقصص البقاء.
كان الزّمان يومها خليل الهدوء والسكينة, وكانت الحياة تنبض بإيقاع يزخر بالأمل رغم بساطته. هناك… في ثنايا الماضي, كان ماء البحار والمحيطات مرآة تعانق السماء وتحتضنها في الأفق البديع, فتتقلّب بين زرقة هادئة وسواد يهمس بأسرار اللّيل. ليت تلك اللّيالي تعود, حيث القمر يلقى بنوره الوديع برفق, تؤنسه رفقة بعض النجوم المتلألئة راسمة بذلك لوحة تأسر عقول المتأمّلين في إبداع الخالق عزّ وجلّ. وماذا عن تلك البُسُط الخضراء؟ تمتدّ لآلاف الكيلومترات كأنّها وشاح من حرير يلحِّف وجه الأرض, تزيّنها نباتات تتغنّى بمعزوفات الطبيعة, خضرتها كزمّرد يتلألأ تحت أشعّة الشّمس العسجديّة, دون تناسي تلك الجبال اليهماء التي تخترق الكنهور من السّحاب في مشهد مهيب.
لكنّ يد الانسان البغيض لم تكن رحيمة بي, فقد تلاشت زرقة مياهي اللازورديّة نتيجة للنّفايات الملقاة فيها, فقدت حيوانتي مأواها وبدأت تنقرض, أصبحت الرّياح الملوثة تنزف سموم المصانع وتحمل معها صرخاتي المجلجلة التي لا يسمعها إلا من يصغي بقلبه. اختنقت كائناتي, ارتفعت حرارتي, نهبت ثرواتي وأُقْتُلِعَت غاباتي, ومن هو الجاني!؟ إنّه أنت!!
رغم كلّ ما تلقّيته من ألم, ما زلت أقاوم وأمدّك بالأمل, فمنّي غذاؤك وكساؤك, وأوفّر لك كلّ ما تحتاجه, لم أعد أتحمّل هذا العبء الثّقيل! أنا لست مجرّد ماء وهواء… ولا مجرد فضاء تمارس فيه خرابك وفسادك…أنا الحياة… أنا بحاجة إليك, ألا أستحقّ أن تمدّ يد العون لي؟ فبدل أن تكون الرّاعي الأمين لي, بِتَّ عدوًّا يسابق الزّمن لتدميري, رغم صبري…آلامي تتفاقم وتدفعني للتّساؤل: كم سأتحمّل قبل أن تنفجر سَوْرَة غضبي؟
لعلّك لم تقتنع بعد بتضحياتي من أجلك, إليك بعضها يا ناكر الجميل: أنا رونق الحياة وأساسها, في أحضاني ينمو كل شيء, ومن عطائي تستمرّ دورة الوجود. أنا الهواء الذي تتنفّسه والأرض التي تمشي عليها والماء الذي يروي ظمأك, والمنظّم للتوازن الدقيق في هذا الكون…أنا الحاضن للكائنات والمصدر للغذاء, في أعماقي تكمن قوّة لا مثيل لها وفي تناغمي يقبل سرّ استمرار الحياة. أنا الذي ترى فيه بهاء الفصول بألوانها والسّماء بصفائها والتّربة بخصوبتها, حتّى أننّي ملاذ الأرواح المثقلة وصديق القلوب الباحثة عن السّكينة التي طالما وجدها الانسان في هدير أمواجي, فأتحتضنه تارة بنسائم باردة تخفّف من وطأة ألمه, وأربّت على كتفه تارة أخرى ليلمح انعكاس أحلامه المفقودة على سطح مياهي. فأنا أمنحه مساحة ليبوح بلا قيود, لأنني لا أحكم, ولا أطلب سوى أن يثق بي.
وها أنا ذا أمدّ يدي لأعطيك بكلّ سخاء, لكنّك أعدتها لي خاوية إلا من برودة الجحود. ضح في حسبانك أنّه إذا تضرّرت, تحطّمت أسس الحياة وغاصت البشرّية في عتمة الدّيجور…دون حمايتي يضيع المستقبل ويغدو الجمال مجرّد ذكرى عابرة.
وهذا بالضّبط ما يستدعي تدخّلك, يجب أن لا تدع أنانيّتك تدمّرني, وأن توقظ ضميرك النّائم وتتصرّف بحكمة و وعي … أقف أمامك اليوم بخطاب يشوبه الحزن والوَصَب, فأسألك: كيف تريد منّي حمايتك وأنت غافل عني؟ هل تظنّ الأمر مستعصيا؟ إنّ رعايتي ليست عبئا ثقيلا, بل هي قارب نجاة لك ولمن بعدك.
يا معشر البشر, أنا أعيش على أمل أن تنصتوا لندائي … صوت الطبيعة يدعوكم إلى أن تكونوا شركاء أوفياء ومسؤولين, خطوة منكم اليوم تؤمّن لكم حياة مزدهرة غدا. كونوا معول بناء لحياتكم لا معول هدم لها, واعملوا بقول المولى جلّ وعلا: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾.
(سورة البقرة/ الآية رقم 60)
مع خالص الاحترام والتقدير- عزيزكم المحيط
بقلم Aetherium
بتاريخ الثالث من آذار عام ألفين وخمسة وعشرين.


ذكرتني بأغنية انا الأرض من يسمعني على سبيستون
نص جميل ينبعث منه البلاغة والإحساس، أحسنتِ في تجسيد صوت الطبيعة وإيصال رسالتها بأسلوب مؤثر. شكرًا لكِ على هذا القلم الراقي🤍